ابن كثير
303
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فتحقر عباد اللّه ، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك ، وكذا روى العوفي وعكرمة عنه . وقال مالك عن زيد بن أسلم وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ لا تتكلم وأنت معرض ، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم . وقال إبراهيم النخعي : يعني بذلك التشديق في الكلام . والصواب القول الأول . وقال ابن جرير « 1 » : وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها ، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها ، فشبه به الرجل المتكبر ، ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي [ الطويل ] . وكنا إذا الجبّار صعّر خدّه * أقمنا له من ميله فتقوّما « 2 » وقال أبو طالب في شعره [ الطويل ] : وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها « 3 » وقوله وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي خيلاء متكبرا جبارا عنيدا ، لا تفعل ذلك يبغضك اللّه ، ولهذا قال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ أي مختال معجب في نفسه ، فخور أي على غيره . وقال تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا [ الإسراء : 37 ] وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي ، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى ، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال : ذكر الكبر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشدد فيه ، فقال « إن اللّه لا يحب كل مختال فخور » فقال رجل من القوم : واللّه يا رسول اللّه إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها ، ويعجبني شراك نعلي ، وعلاقة سوطي ، فقال « ليس ذلك الكبر ، إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس » ورواه من طريق أخرى بمثله ، وفيه قصة طويلة ، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته . وقوله وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي امش مقتصدا مشيا ليس بالبطيء المتثبط ، ولا بالسريع المفرط ، بل عدلا وسطا بين بين . وقوله وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ، ولهذا قال إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال مجاهد وغير واحد : إن أقبح الأصوات لصوت الحمير ، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه ، ومع هذا هو بغيض إلى اللّه تعالى ، وهذا التشبيه في هذا بالحمير ، يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم
--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 214 . ( 2 ) البيت للمتلمس في ديوانه ص 24 ، ولسان العرب ( درأ ) ، ( صعر ) ، ( كون ) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 15 ، 2 / 149 ، وتاج العروس ( درأ ) ، ( صعر ) ، ( كون ) ، ولعمرو بن حنيّ التغلبي في تفسير الطبري 10 / 214 ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 2 / 274 ، ويروى « من درئه » بدل « من ميله » . ( 3 ) البيت في سيرة ابن هشام 1 / 269 .